مركز الأبحاث العقائدية
409
موسوعة من حياة المستبصرين
والذي يدفعه نحو هذا المنهج ، هو شغف أزلي يسوقه نحو معرفة بدايته ونهايته ، ويُجري أعماله على خلق ظروف ومناخات تلائم المراحل التي يقطعها ما بين هذه البداية التي يحياها ، وتلك النهاية التي ينحصر ختام تجربته فوق التراب بها ، بجميع ما يشوبها من الغموض ، وما ينتظره فيها من المجهول . وبمناسبة هذا المجهول ، فإننا نعطف هنا على أن التعلق والحنين والبحث عن المجهول بالنسبة للنوع الإنساني ، هو أمر له علاقة ذات حدّين : الحدّ الأوّل : هو الذي يخضع للتساؤلات عن المنشأ والولادة والبداية . الحدّ الثاني : هو الذي تجري عليه جميع اختبارات عمره في طريق بلوغه النهاية التي حتمت عليه ، وهو يعرفها لكنّه يغض عنها الطرف . وإن كان الوازع والهاتف الداخلي الذي يحفزه على المعرفة يرتبط بشكل وثيق بالحدّ الثاني ، حدّ معرفة مجهول النهاية ، لما يتعلق به في مسيرته الحياتية من آمال تجعله لا يرغب بانقضائها ، على علمه يقيناً بهذا الانقضاء ، وفيه كلام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) موصياً برفض هذه الدنيا : " وإن لم تحبوا تركها ، والمبلية لأجسامكم ، وإن كنتم تحبون تجديدها ، فإنّما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه ، وأمّوا عَلَماً فكأنهم قد بلغوه ، وكم عسى المجري إلى الغاية أن يجري إليها حتى يبلغها ، وما عسى أن يكون بقاء من له يومٌ لا يعدوه ، وطالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها " ( 1 ) . نتيجة : الواقع أنّ ثمة اتصال يربط ما بين هذه الحياة الخارجية ، وبين حياة أخرى يُسعى لا محالة لبلوغها ، وهي حياة أزلية محكوم بها الإنسان ، ومحتاج للتعرف
--> 1 - انظر نهج البلاغة : الخطبة 98 .